محمد دياب الإتليدي
140
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فلما سمع الخليفة الثاني هذا الكلام تبسم وانشرح ، وكان بيده قضيب ، فضرب به على مدورة ، وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم يحمل كرسياً من العاج مصفحاً بالذهب الوهاج ، وخلفه جارية قد كملت بالحسن والجمال والبهاء والكمال ، فنصب الخادم الكرسي وجلست عليه الجارية وهي كالشمس الضاحية ، وبيدها عود من صنعة الهنود ، وشدته وحنت إليه بعد أن ضربت أربعة وعشرين طريقة عليه ، فأذهلت العقول وعادت إلى الطريقة الأولى وجعلت تقول : لسان الهوى من مقلتي لك ناطق . . . يخبر عني أنني لك عاشق ولي شاهد من طرف قلبي معذب . . . وقلبي جريح من فراقك خافق وكم أكتم الحب الذي قد أذابني . . . وقلبي جريح والدمع سوابق وما كنت أدري قبل حبك ما الهوى . . . ولكن قضا الرحمن في الخلق سابق قال : فلما سمع الخليفة الثاني هذا الشعر من الجارية صرخ صرخة عظيمة ، وشق البذلة التي كانت عليه إلى الذيل ، فاسبلت عليه البشخانة ، وأتي ببذلة غيرها أحسن منها ، فلبسها وجلس على عادته ، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدورة وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم حامل كرسياً من الذهب ، وخلفه جارية أحسن من الأولى ، وجلست على الكرسي وبيدها عود يكمد الحسود ، وأنشدت تقول : كيف اصطباري ! ونار العشق في كبيد . . . والدمع من مقلتي صوفانه مدد والله ما طاب لي عيش أسر به . . . وكيف يفرح قلب حشوه كمد قال : فصرخ الشاب صرخة عظيمة ، وشق ما عليه إلى الذيل وأسبلت عليه البشخانة على العادة وأتي ببذلة غيرها أحسن منها فلبسها ، واستوى جالساً ، ودار المدام وانبسط الكلام ، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدور ففتح الباب وخرج منه خادم على العادة ومعه كرسي وخلفه جارية ، فجلست على الكرسي ، ومعها عود يذهل الأسود فغنت ، وأنشدت تقول : اقصروا هجركم وقولا جفاكم . . . ففؤادي وحقكم ما سلاكم وارحموا مدنفاً كئيباً حزيناً . . . ذا غرام متيماً في هواكم قد براه السقام من عظم وجد . . . يتمنى من الإله رضاكم يا بدور محكم في فؤادي . . . كيف أختار في الأنام سواكم